القوى المتوسطة تناقش الديبلوماسية الأميركية المارقة
بن هوبارد- نيويورك تايمز
Tuesday, 21-Apr-2026 07:02

في مؤتمر تركيا الديبلوماسي الاستعراضي في مدينة أنطاليا الساحلية على البحر المتوسط خلال عطلة نهاية الأسبوع، نادراً ما كانت الولايات المتحدة الموضوع الرسمي للنقاش. لكن ما كان يتخلّل النقاشات بين آلاف المشاركين (بمَن فيهم عشرات رؤساء الدول ومسؤولون كبار آخرون من أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا)، هو تساؤلات حول كيفية الردّ عندما تتجاهل الولايات المتحدة حلفاءها والنظام العالمي الذي لطالما ادّعت تمثيله.

إنّ الفوضى في السياسة الخارجية خلال الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، والاضطرابات الواسعة التي تسبَّبت بها الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، أضفت زخماً جديداً على فكرة أنّ تركيا وغيرها مما يُسمّى بالقوى المتوسطة، ينبغي أن تعتمد بدرجة أقل على القوى العالمية الكبرى، وأن تتّجه بدلاً من ذلك إلى الشراكة مع جيرانها لإدارة مناطقها بنفسها. وقد برزت الرغبة في هذا النوع من التعاون مراراً خلال المؤتمر، منتدى أنطاليا الديبلوماسي، الذي اختُتم يوم الأحد.

ولفت وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، في المؤتمر الصحفي الختامي، إلى أنّه «إذا استمرّت هذه المنطقة في انتظار منقذ، فإنّها في النهاية ستواصل مواجهة هذه المشكلات إلى الأبد». وأضاف، إنّ على الدول أن تتكاتف «لتولي القضايا الإقليمية».

ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، تخلّى ترامب عن مبادئ راسخة في السياسة الخارجية الأميركية، فهاجم الأمم المتحدة، ولوّح بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي، وتراجع عن الترويج لحقوق الإنسان والديمقراطية في الخارج. لكنّ الحرب في إيران، التي أطلقها بالتعاون مع إسرائيل على رغم من الجهود الحثيثة من دول أخرى لمنع اندلاع النزاع، أدّت إلى اضطراب الاقتصاد العالمي وجعلت عدداً من شركاء الولايات المتحدة أهدافاً لردود انتقامية إيرانية.

واعتبر تيموثي آش، الخبير الاقتصادي في شركة RBC BlueBay لإدارة الأصول في لندن، الذي حضر المؤتمر: «تصرَّفت أميركا في إيران ضدّ مصالح حلفائها. وهذا يعزّز فكرة أنّ هناك حاجة إلى بديل عن الأميركيّين».

 

تركيا تعرض رؤيتها للعالم

لم يكن مؤتمر أنطاليا مجرّد ملتقى للنقاشات في الشؤون الخارجية، بل كان أيضاً منصة لتركيا لعرض رؤيتها للعالم ومكانتها فيه. وفي عامه الخامس، استقطب التجمُّع مجموعة واسعة من المسؤولين، معظمهم من خارج الغرب، وأظهر شبكة العلاقات الديبلوماسية الواسعة التي يعتقد المسؤولون الأتراك أنّها تجعل من بلادهم وسيطاً ذا قيمة.

في اليوم الأول، قدّم كبير الديبلوماسيِّين الأوكرانيِّين إحاطة أمام قاعة مكتظة حول جهود بلاده لصدّ الغزو الروسي. وفي اليوم التالي، تحدّث نظيره الروسي أمام جمهور مماثل الحجم عن السبل التي «أساء الغرب بها معاملة روسيا».

وعلى رغم من الحرب في إيران، التي وُضِعت على المحك مع وقف إطلاق نار موقت، كان المسؤولون الأميركيّون والإيرانيّون يتنقلون بين الحشود المصطفة للحصول على القهوة والسندويشات في طريقهم إلى اجتماعاتهم الخاصة، ولم يلتقوا.

وفي كلمته خلال حفل الافتتاح، اعتبر الرئيس التركي رجب طيِّب أردوغان، أنّ النظام العالمي يمرّ بـ»أزمة أخلاقية ووجودية»، وكرَّر شعاره بأنّ «العالم أكبر من خمسة»، في إشارة إلى انتقاده المتكرِّر لعدد المقاعد الدائمة المحدود في مجلس الأمن الدولي. وانتقد إسرائيل لما وصفه بالإبادة الجماعية في غزة وتوسعها العسكري في لبنان وسوريا وإيران. وأكّد أنّ تركيا مستعدة للمساعدة في التفاوض لإنهاء الحرب في أوكرانيا، من دون توجيه انتقاد لروسيا على بدء الحرب. كما هاجم الحرب في إيران، لكن من دون ذكر الولايات المتحدة أو ترامب، الذي تربطه به علاقة ودّية.

 

المشاركون محبطون من النزاع في إيران

وأعرب العديد من المشاركين عن إحباطهم من النزاع في إيران. فأكّد وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي: «نجد أنفسنا عرضة لهجمات إيرانية غير مبرَّرة في حرب حاولنا منعها».

وحضر مسؤولان أميركيان رفيعا المستوى. وأثار أحدهما، توم برّاك، سفير ترامب لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا، الجدل بقوله: «هذا الجزء من العالم لا يحترم إلّا شيئاً واحداً: القوّة. وإذا لم تُظهِر القوّة، وإذا أظهرت الضعف، فستجد نفسك في موقف دفاعي». وأضاف أنّ الحكومات الوحيدة التي نجحت في الشرق الأوسط كانت «الملَكيات الخيّرة» والجمهوريات التي تُدار بأساليب مماثلة: «الدول التي ارتدت عباءة الديمقراطية أو التي سعينا فيها إلى تعزيز حقوق الإنسان قد فشلت»، مشيراً إلى انتفاضات الربيع العربي التي بدأت في عام 2010 وأسفرت عن حكومات ديمقراطية قصيرة العمر في مصر وتونس.

وكان أوضح مثال على خطوات نحو مزيد من التعاون الإقليمي، اجتماع عُقِد على هامش المؤتمر بين وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان، الذين يأملون في تعميق تعاونهم.

وأوضح خبراء أنّ مثل هذه التحالفات لا يمكنها سَدّ جميع الفراغات التي تتركها الولايات المتحدة. وأضاف غالب دالاي، الباحث البارز في معهد «تشاتام هاوس»: «المشكلة التي تشعر بها المنطقة تجاه الولايات المتحدة هي أنّها لا تزال لا غنى عنها بالنسبة إلى العديد من الفاعلين الإقليميِّين، لكنّها أيضاً غير موثوقة وتمارس الإكراه. كيف يمكن التعامل مع فاعل لا غنى عنه، وقسري، وغير قابل للتنبّؤ في الوقت نفسه؟». وتوقّع أن تستمر تركيا ودول أخرى في متابعة مثل هذه المبادرات، لكن فقط مع دول توافق عليها الولايات المتحدة.

الأكثر قراءة